الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

220

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لموعظة المشركين من الناس فهو في معنى التذييل . وإنما قرن بالفاء لتفريعه على القصة لاستخلاص العبرة منها ، فالتفريع تفريع كلام على كلام وليس تفريع معنى الكلام على معنى الكلام الذي قبله . والتحري : طلب الحرا بفتحتين مقصورا واويّا ، وهو الشيء الذي ينبغي أن يفعل ، يقال : بالحرّي أن تفعل كذا ، وأحرى أن تفعل . والرشد : الهدى والصواب ، وتنوينه للتعظيم . والمعنى : أن من آمن باللّه فقد توخى سبب النجاة وما يحصل به الثواب لأن الرشد سبب ذلك . والقاسط : اسم فاعل قسط من باب ضرب قسطا بفتح القاف وقسوطا بضمها ، أي جار فهو كالظلم يراد به ظلم المرء نفسه بالإشراك . وفي « الكشاف » : أن الحجاج قال لسعيد بن جبير حين أراد قتله ما تقول فيّ ؟ قال : قاسط عادل ، فقال القوم : ما أحسن ما قال ! حسبوا أنه وصفه بالقسط ( بكسر القاف ) والعدل ، فقال الحجاج : يا جهلة إنه سمّاني ظالما مشركا وتلا لهم قوله تعالى : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً وقوله تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] ا ه . وشبه حلول الكافرين في جهنم بحلول الحطب في النار على طريقة التمليح والتحقير ، أي هم لجهلهم كالحطب الذي لا يعقل كقوله تعالى : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [ البقرة : 24 ] . وإقحام فعل ( كانوا ) لتحقيق مصيرهم إلى النّار حتى كأنهم كانوا كذلك من زمن مضى . [ 16 - 17 ] [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 16 إلى 17 ] وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً ( 17 ) اتفق القراء العشرة على فتح همزة : أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا ، فجملة أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا معطوفة على جملة أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [ الجن : 1 ] ، والواو من الحكاية لا من المحكي ، فمضمونها شأن ثان مما أوحي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وأمره اللّه أن يقوله للناس . والتقدير : وأوحي إليّ أنه لو استقام القاسطون فأسلموا لما أصابهم اللّه بإمساك الغيث .